Tags » Fresca

مذكرات الفزبا الحمرا – (7) "كوردينو" وتعديل "البابرينو"

حسناً. لقد عرفنا فى الحلقات السابقة قصة بدايتى مع السكوتر، ولكن ما هى قصة بداية هذه الآلة نفسها المسماة “سكوتر”؟ وما علاقة “عم بطوط”، تلك الشخصية الكارتونية المحببة إلينا، بها؟ دعونا نتفق أولاً ان كلمة “فسبا” التى يطلقها العامة فى مصر على هذا الشكل من الدراجات النارية هى ليست تصنيفاً لغوياً صحيحاً. فالاسم الصحيح المترجم من الانجليزية هو “سكوتر”، ويطلق على أى دراجة نارية تتميز بتصميم يسمح بوضع قدميك بشكل متوازى أمامك بدلاً من ضمهما   إلى جانبىالدراجة كما هو معتاد.  يسمون هذا الشكل   “ستيب-ثرو فريم” وتعنى حرفياً: “إطار يسمح بالمرور من خلاله”!  وهو نوع من الدراجات معروف منذ أواخر القرن التاسع عشر وأول من اخترعها كان الألمان.

أما كلمة “فيسبا”، فهى كلمة إيطالية تعنى “دبور”، وقد اختارتها شركة إيطالية تدعى “بياجيو” لتكون العلامة التجارية الخاصة بخط إنتاجها من الدراجات النارية المصممة بشكل السكوتر المميز. وكعادة كل المنتجات الرائدة فى أى صناعة، صارت كلمة “فيسبا” تستخدم كبديل عملى عن كلمة “سكوتر” الأشمل والأعم، تماماً كما نقول “كلينكس” على المناديل الورقية، رغم أنها ماركة تجارية أمريكية لا أكثر، وكما نقول “أسبرين” على كافة الأدوية المسكنة للألم، إلخ. وفى مصر المحروسة، ولأننا نختلف دائماً عن الآخرين، فلقد طعم المصريين العظماء كلمة “فيسبا” ذاتها بالنكهة المحلية التى تحول كل “سين” أو “ذال” إلى “زاى”، فصار المتعارف عليه ان ذلك الشكل من الموتوسيكلات يعرف باسم “فزبا”.

لن أنسى يوم ذهبت لترخيص السكوتر الخاص بى فى وحدة المرور المختصة بمنطقة سكنى فى شبرا، وتوجهت بعد أداء الفحص الفنى المعتاد إلى المهندس المسؤول ليقوم بالتصديق على أوراق الفحص. لقد سألنى وهو منهمك فى تفنيد عدد كبير من الأوراق يحملها فى يده بلا اكتراث مثلما تحمل ساندوتشات الفول الملفوفة بأقصى عشوائية ممكنة:

  • العربية نوعها ايه؟
  • مش عربية يا فندم
  • أومال ايه؟
  • فسبا ان شاء الله

هنا حصلت على قدر من الإهتمام يفوق سندوتشات الفول بقليل، فقد رفع عينيه إلى من فوق النظارة يتفحصنى بإمعان كما لو كنت موتور سيارة لامبورجينى لم يسبق لمثله ان رأها رأى العين قطعاً، ثم قال بلهجة ناظر مدرسة “قفش” أحد الطلاب متهرباً من درس النحو:

  • ايه؟ اسمها ايه؟
  • فسبا حضرتك … مكنة
  • اسمها ايه تانى كده؟
  • (بدأت اتلعثم مع جهلى التام بموقع الخطأ فى كلامى) فسبا؟
  • قصدك “فزبا”؟ صح؟
  • اييييييوة. فزبا! أنا آسفة والله … أنا شخصياً بقول “مكنة” عادى!

فضحك ضحكة صفراء (وهذه هى مستوى على درجة عالية من التطور من الابتسامة الصفراء) وختم على أوراق الفحص وزيلها بتوقيعه الشريف، فخطفتها من بين يديه ولذت بالفرار وأنا أقسم ألا استخدم أى لفظ آخر يعبر عن هذا الشىء الذى أركبه سوى كلمة “مكنة”.

حسناً، نعود إلى قصة “الفسبا” نفسها. شركة “بياجيو” المنتجة لها قد انشأت فى أواخر القرن التاسع عشر، تحديداً فى عام 1884، وكان منتجها الرئيسى هو محركات القطارات وعربات السكك الحديدية، ثم اتجهت خلال الحرب العالمية الأولى إلى تصنيع الطائرات.  ومع إندلاع الحرب العالمية الثانية، تخصصت “بياجيو” فى صناعة الطائرات القاذفة للقنابل، تلك المدعوة “بومبر ايركرافت”، لذلك، كان مصنعها الكبير فى مدينة “بونتديرا” الهدف الرئيسى لقذائف قوات الحلفاء حين دخلوا إلى إيطاليا، فتم تدميره بالكامل.

 مع نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت خسائر “بياجيو” فادحة بحق. فمن ناحية، مصنعها الرئيسى قد تساوى بالأرض، ومن ناحية أخرى، بإنقشاع غبار الحرب عن المنطقة واتجاه الدول المتأثرة بها إلى حركة إعادة البناء والتعمير، انحسرت الحاجة إلى لمنتج الشركة الأساسى من الطائرات المقاتلة. هكذا انصرف نظر “انريكو بياجيو”، مالك الشركة، إلى تلبية إحتياجات السوق المحلى فى ايطاليا. فالطرق الرئيسية والشوارع قد تدمرت إثر الحرب، مما يعنى صعوبة استخدام السيارات العادية. من ناحية أخرى لم يكن إقتصاد إيطاليا فى تلك الفترة بأحسن حالاً من شوارعها؛ كانت الأسر الإيطالية بالكاد تجد قوت يومها، وبالتالى كانت فى أمس الحاجة لوسيلة انتقال رخيصة وإقتصادية.

هكذا عكف مهندسى “بياجيو” عام 1944 على تصميم مركبة تشبه إلى حد ما الموتوسيكل وإن كان هيكلها الخارجى يحتوى كل التفاصيل الميكانيكية من موتور وأسلاك وخلافه. وكان هذا التصميم يتخذ كنواة له تلك الموتوسيكلات الزيتونية اللون التى كانت القوات الأمريكية تستخدمها كوسيلة لنقل قوات المشاة وقوات البحرية عبر الخطوط الدفاعية للنازية والمناطق المدمرة بين الطرفين المتنازعين.

فى النهاية تم تصنيع النموذج التجريبى الأول لهذا التصميم وأعطوه اسم “بابيرينو”، وهو اسم “عم بطوط” فى إيطاليا، على غرار السيارة ماركة “فيات” موديل 500 التى أطلق عليه اسم “توبولينو”، أى “ميكى ماوس” بسبب تصميمها الذى يشبه إلى حد كبير تلك الشخصية الكارتونية. وهذه المعلومة الطريفة إن دلت فإنما تدل على ان الإيطاليين يسبقوننا معشر المصريين فى القدرة على “الألش” بسبعين سنة على الأقل!

جدير بالذكر ان هذا النموذج التجريبى، الذى يعرف كذلك باسم “إم بى 5″ إختصارا ل “موتو بياجيو 5″ مازال معروضاّ حتى الساعة فى   متحف شركة “بياجيو” فى مدينة “بونتيديرا” الإيطالية، مسقط رأس” الشركة وأصحابها. بيد ان هذا التصميم لم ينل إعجاب “انريكو بياجيو”، فقد رأي فيه تكلّف من حيث الحجم والطول، لذلك لجأ إلى أحد مهندسى شركته القدامى، ويدعى “كورادينو داسكانيو”، الرجل الذى يعتبر الأب الروحى لما نعرفه اليوم باسم “الفيسبا”.

كان هذا ال “كورادينو” فتى نابغة منذ صغره، شغوفاً بالطيران منذ صغره، حتى انه فى عمر الخامسة عشر تمكن من تصميم طائرة شراعية كاملة، كان يطلقها من فوق التلال المتاخمة لمسقط رأسه فى مدينة “بيزا” الإيطالية. لذلك كان منطقياً ان يتطلع إلى دراسة الهندسة الميكانيكية، ثم يتطوع للانضمام إلى الجيش الإيطالى، وتحديداً فى سلاح المهندسين، كتيبة الطيارين. برع “كوردينو داسكانيو” فى مجال ميكانيكا الطيران، وله العديد من براءات الاختراع المسجلة فى تطوير أنظمة الطيارات المختلفة. هكذا أخذ ينتقل من مشروع إلى الآخر، وما بين الجيش والشركات الخاصة، ومنها شركة “بياجيو” حتى انتهت الحرب العالمية الثانية، ووجد نفسه مثل العديد من الايطاليين فى تلك الفترة بلا عمل ولا مورد دخل. والأسوأ من ذلك ان إيطاليا وضعت فى تلك الفترة تحت حظر تصنيع أو تطوير أى معدات عسكرية  أو تقديم أى أبحاث فى مجال تكنولوجيا الفضاء لمدة عشرة أعمال كاملة. هذا يعنى ان مجال عمل “كوردينو” الأساسى قد أغلق فى وجهه تماماً داخل إيطاليا. ولكن لحسن حظه ان هذا الوضع لم يستمر طويلاً، حيث فاجأه “انريكو بياجيو” بطلب تطوير نموذجه الأول “البابرينو” بنموذج أكثر انسيابية وعملية فى نفس الوقت.

عكف “كوردينو” الذى كان يكره الشكل التقليدى للموتوسيكلات على تصميم عصرى غير مألوف.  كان هناك عدد من المواصفات المحددة التى أراد ان يوفرها لسائق هذه المركبة الجديدة. أولها ان تكون مناسبة لقيادة الرجال والنساء على حد سواء، لذلك التجويف الأمامى لهيكل السيارة الذى يسمح للمرأة بتنورتها الطويلة فى ذلك الوقت بالجلوس على المقعد فى أناقة وراحة. وثانيها كان حماية أقدام السائق من أوساخ الطريق، لذلك جاءت مقدمة السكوتر فى شكل درع حديدى تختفى القدمين وراءه تماماً. وأخيراً، جاءت الحاجة إلى قدرة السكوتر على استيعاب راكب مرافق، فكان الكرسى الطويل الذى يغطى الموتور ويسمح بركوب مرافق أو اثنان خلف السائق، مما سمح بدوره للترويج لهذه المركبة كوسيلةمواصلات عملية جداً للأزواج بل للعائلة بأكملها.

هكذا ولدت “الفيسبا” الأولى فى شكلها الكلاسيكى عام 1946م، حيث تم عرض النسخ الأولى منها فى معرض بمدينة ميلانو، وتم بيع 50 مركبة فى العام الأول، ثم ما لبثت مبيعاتها ان زادت اضطرادياً حتى وصلت إلى أكثر من 60,000 “فيسبا” بيعت فى عام  1950 وحده. هكذا تربعت شركة “بياجيو” على عرش السكوتر فى العالم بمبيعات خيالية، حتى ان ال”فيسبا” صارت من الايقونات الوطنية الإيطالية. وحين اصطحب الممثل الأمريكى الوسيم “جريجورى بيك” حبيبته الرقيقة “أودرى هيبورن” وراءه على الفيسبا الايطالية ليتجول بها فى شوارع روما فى فيلم “إجازة فى روما”، ألهب حواس الجماهير وصار حلم كل فتاة فى هذا الجيل – جيل الخمسينات – هو ان تركب الفيسبا وتدور بها فى شوارع “روما” وهى تتعلق بظهر حبيبها. استمر هذا المشهد حاضراً فى الأذهان حتى يومنا هذا، فحين ذهبت إلى “روما” منذ بضعة سنوات، كانت محال التذكارات السياحية كلها تعرض علامة “الفيسبا” المميزة، وصور من الفيلم الشهير، وكذلك نماذج مصغرة من “الفيسبا” فى موديلات متعددة. وقد اوستغل الإيطاليون هذه الشهرة إلى أبعد من ذلك، ففتحوا محلات لتأجير السكوتر باليوم، ويضعون تسعيرة مبالغ فيها للإيجار، كما تقوم شركات السياحية بتنظيم جولات لمشاهدة معالم “روما” يقوم فيها كل سائح بقيادة سكوتر خاص به.

شيرين عادل

15 November 2014

Scooter

مذكرات الفزبا الحمرا – (6) "كى جى 1" سكوتر

أول خروج لى إلى الشوارع الرئيسية بالسكوتر كان فى شارع النزهة بمصر الجديدة، بعد ان أشتريته من المحل وصممت أن انطلق به إلى مدينة نصر وحدى. فى تلك الليلة الميمونة أدركت أخيراً معنى تعبير أدبى فصيح  لطالما قرأته فى قصص الرعب العربية أو المترجمة إلى العربية ولم أفهم معناه حتى تلك اللحظة التى مشيت فيها وسط السيارات المسرعة محاولة ان أخرج إلى شارع الثورة ثم قطع الشارع بطريقة شبه عرضية للوصول إلى الملف الراجع باتجاه دار الإشارة. كان هذا التعبير الأدبى البليغ هو “ارتعدت فرائصه”. وأنا لازلت لا أفهم تماماً ما هو موقع تلك “الفرائص” من جسد البنى آدم يوجه عام، ومع ذلك لا شك عندى ان فرائصى وشعر رأسى وكل خلية فى جسدى قد ارتعدت فى تلك الليلة مع محاولاتى الخرقاء المتخبطة للمرور بين السيارات، يكاد جسدها المعدنى يحتك فى لحم جسدى، ويرتعش بدنى فلا أعرف إن كان يهتز خوفاً أم برداً إثر لفحات الهواء المتتالية التى يُحدثها تفريغ ضغط الهواء لذى مرور السيارات المسرعة بجوارى.

أول يوم فى “كى جى 1″ السكوتر لا يفرق كثيراً عن أول يوم “كى جى 1″ فى المدرسة. نفس الإحساس المقيت أنك طفل وحيد ضعيف وسط غابة من العمالقة. أنت وحدك فى مواجهة العالم. أنت “نوح” وعليك ان تقود مركبتك إلى بر الأمان عبر طوفان متلاطم الأمواج من السيارات والناقلات والماكينات والبشر. عليك ان تردد لنفسك طوال الوقت “أنت بخير. لن يحدث لك شىء. ان الأمر أسهل من ركوب الدراجة الهوائية، وأنت تركب الدراجة الهوائية منذ ان كان عمرك سبع سنوات. هيا. لا تكن جباناً” وأنت تحاول ان تتناسى حقيقة ان عمرك لم يعد 7 سنوات، وان ثقل وزنك وحده كفيل بجعل سقوطك مدوياً فمابالك باحتمالية سقوطك إثر تصادم عنيف مع هيكل حديدى عملاق مثل هيكل سيارة؟

مر أول يوم فى “كى جى 1″ بسلام ولله الحمد. وصلت إلى مدينة نصر حيث قابلت صديقتى التى أعطتنى حصة القيادة هذا الصباح، لأترك السكوتر فى الجراج الخاص بالعمارة التى تسكن بها. لا أستطيع ترك السكوتر عند أهلى فى مدينة نصر، رغم ان منزلهم يقع على بعد شارع واحد من منزل صديقتى، وذلك لسبب بسيط جداّ؛ أننى لا أنتوى إطلاقاً إطلاعهم على سر شراء السكوتر فى الوقت الراهن، تفادياً لحرب شعواء أعلم علم اليقين حتمية شنها من قبل أمى ضد الفكرة من أساسها.  فى نفس الوقت، كنت لا أمتلك خطة واضحة للأيام المقبلة، ولكنى أعلم تماماً بعد هذه التجربة المروعة من الخوض العشوائى فى المرور هذه الليلة انه من المستحيل ان أقود هذه الآلة المميتة من مدينة نصر إلى شبرا. على الأقل ليس قبل ان أتمكن من قيادتها وأمتلك زمامها تماماً.

هكذا قضيت الأيام التالية متبعة برنامج صارم من التدريب اليومى على القيادة. فى كل صباح  أنتقل من منزلى فى شبرا إلى جراج صديقتى بمدينة نصر عن طريق السيارة، فأترك تلك الأخيرة هناك وآخذ السكوتر لأذهب به إلى مقر عملى عند “سيتى ستارز” بمدينة نصر. المسافة قصيرة، أقطعها فى مدة زمنية لا تتعدى عشر دقائق، ولكنى كنت تدريجياً أخترع المشاوير المختلفة أطيل من فترة قيادتى للسكوتر، فتارة أتخذ طريق أطول إلى مقر عملى، وربما درت دورتين حول المنطقة قبل ان أتوقف عنده،  وتارة أخرى أذهب إلى سوبرماركت بعيد لأشترى بعض مستلزمات المنزل قبل عودتى إلى سيارتى لتصطحبنى إلى المنزل بعد ان أترك السكوتر مرة آخرى فى الجراج بمدينة نصر.

أما ما حدث فى تانى يوم “كى جى 1″، فكان جديراً بمنحى شهادة البكالوريوس مباشرة. والحكاية ببساطة أننى استيقظت فى اليوم التالى لشرائى للسكوتر، وهو نفس اليوم الذى ركبت فيه سكوتر للمرة الأولى فى حياتى، وكنت فى حالة من الحماسة أكاد أطير معها من شبرا إلى مدينة نصر حتى أتمكن من وضع يدى على مقبض السكوتر الأحمر مرة أخرى، واسمع صوت “الزنة” المحبب للموتور الخاص به. هكذا ذهبت إلى مكتبى وركنت السكوتر تحت بصر رجال الأمن بالمبنى. كان هناك العديد من اللغط والنظرات المتفاجأة من جميع العاملين بالمكان، لكنى كنت فى نشوة وسعادة تجعلنى فى عالم خاص منفصل عنهم تماماً. وفى أثناء اليوم، كان علىّ ان اقوم بمشوار قصير إلى محطة الأتوبيسات ب “ألماظة” لقطع تذاكر السفر تحضيراً لرحلة قريبة. ولما كنت أكره المشاوير المنفردة فى المعتاد، فقد دعوت صديقتى فى العمل لمرافقتى، وهى ألمانية تعيش فى مصر منذ سنوات. ربما كانت جنسيتها سببا فى تفتحها وتقبلها لفكرة ركوب السكوتر فى شوارع المحروسة وراء مبتدئة فى القيادة مثلى، وربما لأنها كانت تركب واحداً مثله فى ألمانيا وقد “حنّت” إلى أيام “الشقاوة”، وربما لا هذا ولا ذاك، بل هى مغامرة غير محسوبة العواقب من ناحيتها وتهور لا داعى له من ناحيتى.

هكذا انطلقت إلى وجهتى القريبة، أنا فى ملابسى الصيفية التى لا تخفى شيئاً من كونى امرأة، ومن خلفى صديقتى الألمانية يتطاير شعرها الأشقر من خلفها بينما تحجب نظارتها السوداء الشمس عن عينيها الزرقاوان. كان مشهداً جديراً بلقطة من فيلم تدور أحداثه على كورنيش “فلوريدا” الأمريكية وليس شارع “عمر بن الخطاب” بقلب القاهرة!

كنت أحاول جاهدة التحكم فى السكوتر الذى صار يرزح تحت ثقل فردين لا فرد واحد. كانت قيادتى قد شهدت تحسناً طفيفاً عن الليلة السابقة، لا سيما فى ضوء النهار المريح للأعصاب. ووصلت  إلى المحطة بنجاح ساحق، وعدت منها سليمة فى قطعة واحدة وكذلك رفيقتى. أما ما حدث فى الصباح التالى فكان العجب العجب.

ان من عادتى حين يرن المنبه المضبوط فى هاتفى المحمول  فى الصباح الباكر ان أغلقه ثم أقوم بتصفح الفيسبوك لبضعة دقائق حتى أساعد ذهنى على الاستيقاظ وعدم الاستسلام للنوم مرة أخرى. وفى ذلك الصباح، فى اليوم الثالث لشرائى لسكوتر، كان أول ما فتحت عينى عليه هو تنبيه من الفيسبوك ان أحد الأصدقاء قد ذكر اسمى تعليقاً على أحد الصور المنشورة فى صفحات من الصفحات الكبيرة التى تجمع أصحاب ومحبى السكوتر فى القاهرة.  فتحت الصورة، فإذا به صورة لفتاة تركب سكوتر أحمر اللون ومن وراءها فتاة شقراء ترتدى نظارة سوداء!

بالطيع قفزت من السرير من هول المفاجأة وقد طار النوم من عينى تماماً وحل محله خليط من الاتبهار والسعادة. تخيل معى ان فى اليوم الأول لركوبك السكوتر يسجل أحدهم تلك اللحظة وتصبح أنت لتجد صورتك معروضة على الملأ تحفها عبارات الثناء والاستحسان لشخصك المتواضع! كان التعليق المكتوب على الصورة يحمل إعتذاراً من صاحبها على تصويره لنا بدون علمنا، ويعبر عن سعادته لوجود فتيات يخضن تجربة ركوب السكوتر بجرأة وشجاعة. وإذا بصديقنا الذى أشار لى على الصورة يعلّق موضحاّ ان هذا كان اليوم الأول لركوبى السكوتر، والرجل صاحب الصورة لا يصدقه. جدير بالذكر ان هذا الرجل الذى التقط لنا الصورة صار صديقاً شخصياً لى ولزوجى وسافرنا معاً فى رحلة خاصة للموتوسيكلات بعد هذه الواقعة بشهور عديدة.

شيرين عادل

11 November 2014

Scooter

مذكرات الفزبا الحمرا – (5) الفيسبا الحمراء

وقفت داخل ذلك المعرض الصغير بمصر الجديدة، الذى تفترش أنواع متعددة من الموتوسيكلات المختلفة الرصيف والشارع قبالته، وأخذت أتأمل فى ألوان وأشكال مختلفة من الخوذ. بالطبع كان كل ما أراه وقتها هو الألوان والأشكال بالفعل، فلم أدرك بعد ان هناك أنواع متعددة من الخوذ تختلف طبقاً لتصميمها وطرازها وشهادات الجودة المصاحبة لها التى تضمن لك معدلات متفاوتة من الأمان والسلامة، إلخ.

Scooter