Tags » Hariri

أهكذا يكون «الوفاء» يا جبران

جريدة السفير بتاريخ 2016-11-29

كتب المحرر السياسي:

لكأن عشر سنوات من الخبز والملح والتواصل شبه اليومي، لم تكن كافية، لكي يتقن جبران باسيل أصول التعامل مع «حزب الله».

لكأن ما بذله «حزب الله» بالتكافل والتضامن مع سليمان فرنجية وبشار الأسد، من أجل أن ينال جبران باسيل مقعدا وزاريا في حكومة سعد الحريري الأولى، يمكن شطبه بـ «شحطة قلم». بلغ الأمر حد إلحاح فرنجية على الأسد أن يتصل بالملك عبدالله بن عبد العزيز في زمن «السين ـ سين» ويتمنى عليه الطلب من الحريري أن لا يضع «فيتو» على توزير جبران باسيل الراسب في الانتخابات النيابية، بل أن تسند إليه وزارة الطاقة، وكان له ما أراده بعد تعطيل التأليف شهورا طويلة.

لكأن ما قدّمه «حزب الله» من تضحيات من أجل أن يتحرر لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، وما يقدمه من كبير تضحيات حاليا في سوريا، في مواجهة الإرهاب التكفيري، لا يكفي لكي يحمي من وقفوا إلى جانبه في أصعب الأوقات.. وأحرجها.

يخطئ من يعتقد أنه كان بإمكان ميشال عون أن يصل إلى رئاسة الجمهورية، لولا تلك الوقفة التي وقفها «حزب الله» معه منذ اللحظة الأولى لفراغ كرسيّ رئاسة الجمهورية..

«وقفة الوفاء» تلك، جعلت الحزب ينال من السهام والاتهامات والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور. كل العالم أتى إلى الضاحية الجنوبية أو ذهب إلى طهران. كانت الإغراءات والعروض كثيرة. كان لسان الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله: «ميشال عون هو مرشحنا لرئاسة الجمهورية». حاول الأميركيون عن طريق الفرنسيين والأمم المتحدة كسر كلمته. ذهبوا إلى طهران، بعد أن حيّدوا الروس، لمصلحة الإتيان برئيس توافقي، وقالوا للمسؤولين الإيرانيين: اضغطوا على «حزب الله» حتى يخرج من «الجنرال».

كان لسان حال الإيرانيين: ليتفاهم المسيحيون على مرشح واحد ونحن ندعم خيارهم مهما كان.

هذا في العلن، لكن في السر، أفهم الإيرانيون حتى بعض الحلفاء لبنانيا بأن هذا الملف بيد السيد حسن نصرالله شخصيا.

جرّب الرئيس نبيه بري من خلال معاونه السياسي علي حسن خليل أن يلعب من ضمن الهوامش المتاحة له في الملعب الإيراني نفسه لتسويق سليمان فرنجية، معددا لهم المكاسب الاستراتيجية من وراء تبني زعيم «المردة». قال بري لهم: «صدقوني، أنا قلت لفرنجية لو طلبت منك شيئا عدة مرات وطلبه السيد حسن نصرالله منك مرة واحدة، فستنفذ ما طلبه «السيد» وليس أنا. هل هذا صحيح أم لا يا سليمان بيك».. أخبرهم بري أن فرنجية التزم الصمت. وبرغم هذا الجواب الضمني، قال بري إنه مؤمن بهذا الخيار. اكتفى الإيرانيون بالاستماع، لكنهم ما بدلوا تبديلا.

منذ عودة العماد ميشال عون الى لبنان في ربيع عام 2005، وعينا جبران باسيل على أحد المقعدين المارونيين في البترون. لو أنه نقل نفوسه إلى جبيل أو كسروان أو المتن أو حتى بعبدا، لكان وفّر الكثير على عمه وعلى «التيار» واللبنانيين وربما العالم بأسره.

يريد باسيل تجيير معادلات الإقليم كلها لأجل هذا المقعد. جرّب حظه مرتين ولم ينجح. كل استطلاعات الرأي لم تعطه الجواب الذي يشتهيه. من منظور المرشح الدائم، يمكن لـ «التفاهم» مع «حزب الله»، أن يوصل «الجنرال» إلى بعبدا، ولكن بممر إلزامي اسمه «تفاهم معراب».

الأخير يتقدم على التفاهم مع الحزب فور وصول ميشال عون إلى القصر الجمهوري، لأن التحالف مع «القوات» وحده الكفيل بأن يفوز رئيس «التيار» بمقعد نيابي في جمهورية لبنان، حتى يضع نفسه بعد ذلك على سكة الرئاسة بعد ست سنوات، ولمَ لا، طالما أن المستحيل قد تحقق بوصول «الجنرال».

اختلط على جبران باسيل الاستراتيجي بالمسيحي. ألزم نفسه وتياره والرئاسة الأولى وكل الجمهورية بمفاعيل اتفاقه مع سمير جعجع. لم تخطئ «القوات» حرفا. الخطأ يتحمل مسؤوليته من أوعز بإبرام «التفاهم». كان بمقدور «التيار» أن يعطي «القوات» في الحكومة وغيرها لكن من بعد المجلس النيابي المقبل. حصل العكس، أعطاها «شراكة كاملة» تنال بموجبها حصة بمقدار ما ينال هو في حكومة العهد الأولى. الأصح أن يقول إنه مستعد لإعطاء «القوات» من حصته هو لا من حصة الآخرين مسيحيا سواء أكان سليمان فرنجية أم باقي الأطياف من إيلي الفرزلي ونقولا فتوش وحتى القوميين الذين لا يخفى على أحد حجم حضورهم المسيحي الوازن.

شطب جبران باسيل كل هؤلاء. طغى «جل البترون» على ما عداه. قرر أن يمشي بمسار مسيحي ولو على حساب كل ما راكمه «الجنرال» طوال ربع قرن من التجربة والتضحيات. لكأن هناك من يريد أن يتنكر لميشال عون ولخياراته الاستراتيجية التي أتت به إلى رئاسة الجمهورية.
ميشال عون ـ شاء جبران باسيل أم أبى ـ يجسد استراتيجية معينة، قاتلت وتقاتل في كل ساحات المنطقة، وها هي توشك على الإطباق على حلب الشرقية «ومن بعد ذلك ستتغير المعادلات لا فقط في سوريا بل في كل المنطقة وستكون بداية نهاية الحرب العالمية التي شُنّت ضد سوريا والمقاومة» على حد تعبير رئيس المجلس التنفيذي في «حزب الله» السيد هاشم صفي الدين.

أيضا، عاد سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة بما يمثل اليوم من خيارات يعبر عنها صراحة في وثائق تياره السياسية الجديدة ـ القديمة، كما في كلماته ومقابلاته المتلفزة. الرجل أوضح من الواضح في خياراته الاستراتيجية إلى جانب السعودية وكل المحور الذي تمثله في ساحات المنطقة.
من حق ميشال عون اليوم أن يلزم نفسه بوسطية في الإدارة الداخلية، تبعا لموجبات الدستور لا التفاهم مع معراب أو بيت الوسط. نعم صار ميشال عون الحكم. الأب لكل اللبنانيين والساهر على الدستور والمصلحة العليا للبنان واللبنانيين.

لكن ليس من حق البعض إلزام ميشال عون بوسطية في الخيارات الاستراتيجية الكبرى، مثلما ليس بمقدور أحد أن يطالب الحريري بخيانة خياراته السياسية العربية والدولية.

كان بمقدور «الجنرال» أن يقرر هو شخصيا أن تكون زيارته الأولى الى الرياض أو طهران أو زيمبابوي، لكن أن يأتي موفد خليجي ويعلن أن زيارة عون الأولى ستكون إلى الرياض، فهذا أمر ليس بمألوف ولا يكبر به موقع رئاسة الجمهورية، مثلما لا يكبر موقع الرئاسة، عندما تتكرر المراجعات في القصر ويأتي الجواب المتكرر: اسألوا جبران أو انتظروا عودته من السفر.

ليس هكذا تقاد الجمهورية يا «جنرال» وليست هذه خياراتك التي دفعت أكبر الفواتير لأجلها وليس صحيحا أن طائفة عن بكرة أبيها تتحمل مسؤولية التعطيل حتى تهدد بالذهاب إلى حكومة بمن حضر. هل يجوز أن سعد الحريري بات يدرك أن خيارا كهذا يمكن أن يهدد كل مستقبله السياسي، بينما يعتقد بعض محيطك يا فخامة الرئيس أنك قادر على ذلك وبالتالي إجهاض عهدك منذ شهره الأول؟

لبنان يواجه انقساما سياسيا كبيرا، عمره من عمر زلزال القرار 1559 قبل 12 عاما. انقسام دفع لبنان بسببه كبير الأثمان وما يزال، لكن مقاربات البعض التي تريد صب الزيت الطائفي على نيران القضايا السياسية، طمعا بمقعد نيابي أو وزاري أو للتزلف للسلطان، إنما هي مقاربات ظالمة ولا تمت بصلة إلى «الوفاء».

أي حكومة يجب أن تعكس موازين القوى الداخلية (النيابية بالدرجة الأولى) وربما الخارجية، لكنها ليست ممرا إلزاميا للمقعد الماروني في البترون.

ثمة من أوقف عقارب البلد لمدة سنتين من أجل وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية. كان ذلك عنوانا كبيرا لوفاء ستأتي على ذكره كتب التاريخ في المستقبل، ومن يعتقد أنه يمكن أن تتألف حكومة من دون موافقة سليمان فرنجية يكون مخطئا.

حتى لو أُعطي رئيس «تيار المردة» نصف مقاعد الحكومة وقال «لا»، فستواجه بـ «لا» نبيه بري و «حزب الله» حتى تنقطع الأنفاس، أما إذا قال فرنجية «أقبل بوزارة دولة»، فحينها، لن تمر ساعة، إلا وتتألف الوزارة.

هناك من ينشد موالا للعزف على الوتر الطائفي (خصوصا الشيعي ـ المسيحي) منذ سنوات، وهناك من يريد أخذ البلد إلى ثنائية تمهد لثلاثية، تمهيدا للعزل.

ليس هكذا يكون «الوفاء» يا جبران، ولا بتزوير المعطيات في بعض الأحيان.

اقرأ أيضاً

من التزم للسعودية بـ«سرقة» عون من «المحور»؟

حين تنام بنشعي بين «جفون» عين التينة

عون لنصرالله: ملتزمون ثوابتَ ما قبل الرئاسة

حزب الله ـ التيار والحلفاء… من بلدية زحلة إلى تأليف الحكومة

هل يلتف «حبل الستين» حول عنق العهد؟

War On Syria

عودة 8 و14 والخلاف سياسي

عودة 8 و14 والخلاف سياسي

نوفمبر 22, 2016

ناصر قنديل
– نجحت الانقسامات والخلافات حول الخيار الرئاسي بعد ترشيح الرئيس سعد الحريري للنائب سليمان فرنجية، وانضمام رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع لتأييد ترشيح العماد ميشال عون، بالإيحاء أنّ زمن الانقسام السياسي الذي عرفه اللبنانيون منذ العام 2005 بين فريقين كبيرين على أساس الخط السياسي، تجاه القضايا الإقليمية والتموضع حول خطوط الناشئة عنها، قد صار من الماضي، وأنّ ما عُرف بقوى الثامن من آذار ومثلها ما عُرف بقوى الرابع عشر من آذار، قد تفتّتت وتشكلت منها كتلتان جديدتان، واحدة تدعم المرشح سليمان فرنجية وتضمّ قوتين بارزتين واحدة من الثامن من آذار هي حركة أمل ورئيس مجلس النواب نبيه بري والثانية من الرابع عشر من آذار هي تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري، والكتلة المقابلة تدعم ترشيح العماد ميشال عون وتضمّ قوتين بارزتين واحدة من الثامن من آذار هي حزب الله، والثانية من الرابع عشر من آذار هي القوات اللبنانية.

– مع انضمام الرئيس سعد الحريري إلى صفوف مؤيدي ترشيح العماد ميشال عون بدا أنّ كتلة تفوز وكتلة تخسر، والأمر لا يخصّ في الربح والخسارة لا الثامن ولا الرابع عشر من آذار. وأصرّ البعض على تقديم هذا التوصيف في مقاربة مساعي تشكيل الحكومة، عبر الدعوة لحصر الحكومة بحلف الرابحين، فيما اكتفى الآخرون بالدعوة لنسيان مرحلة الثامن والرابع عشر واصفافاتهما، والنظر مع العهد الجديد لمعادلات جديدة هي التفاهمات التي رافقت ولادته من تفاهم زعيمه مع حزب الله من جهة، وتفاهمه مع القوات اللبنانية وتيار المستقبل من جهة أخرى، ويستمرّ السعي لتعميم مفهوم يقوم على الخدعة البصرية بتصوير الصراع المرافق لتشكيل الحكومة كصراع تنافسي على حقائب وحصص بين رابحين ينالون حقوقاً ومستلحقين لخسارتهم يعطّلون طمعاً بدخول جنة الحكم.

– يمكن ببساطة القول إنّ ما قامت به القوات اللبنانية وما لحقها بالقيام به تيار المستقبل من تبنّ لترشيح العماد ميشال عون نابع أصلاً من بقاء الفراغ الرئاسي الذي لا يزال المتّهم الرئيسي بإحداثه حزب الله، تمسكاً بترشيح العماد عون للرئاسة، والذي لا يمكن إنكاره من الفريقين القواتي والمستقبلي أنه لولا تمسك حزب الله بهذا الترشيح مستنداً إلى تراكم فائض القوة الذي يحققه في الحرب الإقليمية الدائرة، التي تمنحه مكانة خاصة بين حلفائه في الداخل والخارج، لكان النائب سليمان فرنجية رئيساً بتصويت تيار المستقبل لحسابه، قبل أن تقدم القوات على تبني ترشيح العماد عون، وأنّ الرابط السياسي الذي يمثله خط الثامن من آذار هو الذي منع الرئيس بري والمرشح فرنجية وسائر قوى الثامن من آذار من الذهاب في هذا الخيار انتصاراً لخطهم السياسي الذي يقاتل حزب الله في المنطقة وينتصر لحسابه.

– عند التحقق من بلوغ مرحلة نضج خيار حزب الله الرئاسي الذي يمثله العماد عون، تغاضت قوى الثامن من آذار التي كان لها موقف رئاسي مخالف عن خصوصية موقفها، وتشاركت في إنجاح الخيار الرئاسي للفريق الذي يخوض حربها الإقليمية وينتصر، وشراكتها كانت بتأمين النصاب أو بالتصويت، وفقاً لظروفها، ووضعت ثقلها لترجيح كفة السير بقانون الانتخابات النيابية الذي يجمعها، وهو قانون يعتمد النسبية كأساس لمواكبتها لمهام الحكومة الجديدة، منعاً لتمديد جديد للمجلس النيابي أو للسير بقانون الستين مرة أخرى، وبدا في المقابل أنّ ما قامت به قوى الرابع عشر من آذار على مرحلتين مختلفتين بالتموضع وراء الخيار الرئاسي لحزب الله، تبعاً لاختلاف ظروف فريقيها الرئيسيين، تيار المستقبل والقوات، جاء تسليماً بالمتغيّرات المرافقة للحرب التي يخوضها حزب الله وينتصر، وتفادياً لربط الاستحقاق الرئاسي بتبلور نهائي قاتم لوضع الحلفاء الإقليميين. وهم حلفاء يثبت حضورهم في كلّ سانحة منذ التحقق من أنّ تبني الحريري لترشيح عون لن يلقى مصير ترشيحه لفرنجية فيخرجهم بخيبة لا يتحمّلونها. وها هي قوى الرابع عشر من آذار تتماسك في محاولة مصادرة العهد الرئاسي من حلفه السياسي، وجعل الحكومة تقاسم مغانم تحت شعار حكومة الرابحين، وتصوير المنتصر الحقيقي مهزوماً والمهزوم الحقيقي منتصراً، والقضية ليست حقائب ولا عدد وزراء، بل النصاب اللازم والحقائب اللازمة للانتخابات النيابية المقبلة، قانون الانتخابات، والتحالفات الانتخابية.

– ببساطة يمكن القول إنّ الثامن والرابع عشر من آذار تتواجهان مباشرة في قلب معادلة الحكومة الجديدة، ومن السخافة التعمية على هذه الحقيقة، وإنه بدرجة حماس قوى الثامن من آذار لقانون على أساس النسبية ومقاربتها للحكومة من زاويته، درجة حماس موازية لدى قوى الرابع عشر من آذار لمنع ولادة قانون جديد للسير بالانتخابات على أساس قانون الستين، ومثلما تبدو القوات ويبدو المستقبل على قدم المساواة مشاريع تسلّق على النصر الرئاسي لصرفه انتخابياً بتحالف مع التيار الوطني الحر يضمن للثلاثي التيار الوطني الحر والقوات والمستقبل ثلثي مجلس النواب المقبل، ويمنح ثنائي المستقبل والقوات أكثر من ثلث المجلس منعاً لتشكل الثلثين من تحالف التيار الوطني الحر مع قوى الثامن من آذار، كما يبدو السعي لحكومة ينال فيها الثلاثي ثلثي الحكومة ويضمن ثنائي القوات والمستقبل أكثر من الثلث لمنع تشكل الثلثين إذا تحالف التيار الوطني الحر مع قوى الثامن من آذار.

– ببساطة شديدة أيضاً يبدو التيار الوطني الحر والحزب التقدمي الإشتراكي قوتين كانتا في انطلاقة الرابع عشر من آذار، وغادرها كلّ منهما في توقيت وظروف دون الانضمام إلى قوى الثامن من آذار حفاظاً على خصوصية، ويبدوان اليوم خارج اصطفاف الطرفين، مسلّم لهما من الطرفين بأحقية الموقف والموقع، فالاشتراكي حليف منتصف الطريق بين الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري، والتيار الوطني الحر محاط بتفاهمات منتصف الطريق وصفها رئيسه، بتفاهم قوة لبنان مع حزب الله وتفاهم الشراكة مع الحريري وتفاهم قوة المجتمع المسيحي مع القوات، ويجوز السؤال عرضاً هل الشراكة حصراً يصنعها التفاهم مع المستقبل؟ وهل للتفاهم مع حزب الله وجهة واحدة هي القوة؟ وبعيداً عن الاستطراد يبدو الصراع على الحكومة صراعاً بين المكونين الرئيسيين للمشهد السياسي، الثامن من آذار والرابع عشر من آذار، والقضية في التمثيل الحكومي أولاً وأخيراً بشجاعة الإعلان عن العودة إلى السياسة والخروج من التمويه والخداع، فالقضية ليست قضية تمثيل الطوائف وحصصها السهلة، ولا قضية تفاهمات تمّت بين قوى سياسية تلزمها وحدها، ويمكن مواءمتها مع التفاهم الأكبر حول الحكومة إذا تحرّر النقاش من الخداع البصري الموروث من المشهد الرئاسي وعدنا إلى المشهد السياسي الحقيقي بين الفريقين المتصارعين على الخيارات والتحالفات والأدوار والأحجام وقضيتهما اليوم قانون الانتخابات والانتخابات. وقد نجح فريق الرابع عشر من آذار من التسلل لصفوف الثامن من آذار لتفريقها والعودة إلى مواقعه الأصلية متحالفاً ومتماسكاً، وافتدى قانون الانتخابات بقبول رئيس لا يشبهه ولا ينتمي لمعسكره، وبقي أن يستردّ فريق الثامن من آذار تماسكه ويخوض معركة الحكومة على هذا الأساس، نصاب إقرار ومنع إقرار قانون الانتخاب، وفقاً لمعادلة أنّ امتلاك الثلثين في حال التشارك مع التيار الوطني الحر وامتلاك أكثر من الثلث بدون هذا التحالف، هي ميزة يسمح بامتلاكها بالتساوي بين الفريقين أو تمنع على كليهما، في حكومة الأربعة والعشرين كما في حكومة الثلاثين: متساويان بالعدد، متوازنان بالحقائب، بالقدرة على الترجيح والقدرة على التعطيل.

Related Articles

USA

الى العماد عون... رئيساً للجمهورية

ابراهيم الأمين

انتهت الانتخابات الرئاسية، وأنا شخصياً، كما كثيرون في هذه البلاد، حققنا انتصاراً كبيراً بوصول العماد ميشال عون الى قصر بعبدا رئيساً للجمهورية. ولأن البلاد ترقص على بركان، وجبت هذه الرسالة:

ــ الرئاسة والتغيير

لن يبقى من توصيفات ما حصل عند انتخاب العماد ميشال عون، إلا حقيقة واحدة، وهي أن تحالف التيار الوطني الحر مع حزب الله نجح في تحقيق هذه الخطوة المخالفة لمسارات لبنان خلال عقود طويلة. وهذا الإنجاز فيه من الفوائض ما يسمح لكل راغب بأن ينسب لنفسه حصة فيه، من الأقربين والأبعدين.
لكن الأمر لا يستوي من دون مقاربة واقعية. ليس هدفها الحد من اندفاعة التغيير لدى أحد، وخصوصاً لدى العماد عون. إنما تساعد الواقعية على فهم الواقع المستجد بعد حصول الانتخابات، وبشأن الخطوات المساعدة على فتح أبواب واسعة للتغيير.

يعرف العماد عون والجميع أن انتخابه رئيساً للجمهورية تم خلافاً لإرادة الطبقة السياسية الحاكمة والمستبدة في لبنان، والمستولية على جميع أموره السياسية والاقتصادية والامنية والاعلامية وغير ذلك. وما قبولهم إلا إقرار من جميع هؤلاء بفشل خططهم التي أُعدّت وعُمل على إنجاحها طوال عشر سنوات على الاقل. وتقدّم معارضي العماد صوبه يوم الانتخاب، لن يغيّر من واقع أنهم هزموا.
لكن خسارة هؤلاء لهذه الجولة، لا تعني خسارتهم للحرب، وهم سيبدون أكثر تشدداً وشراسة في المرحلة المقبلة. والاختبار الأصعب أمامهم ليس تأليف الحكومة، بل اختبار الانتخابات النيابية المقبلة. وهذا يقود ببساطة الى استنتاج يفترض أن العماد عون يفكر فيه، وهو: هل نشتّت الجهود في معارك لن تجدي نفعاً، أم نركّز على معركة الانتخابات فقط؟

الأكيد، أن مصلحة الرئيس عون هي في استخدام الزخم الذي جاء به، ودعم الجمهور له، في معركة إقرار قانون جديد للانتخابات وإلزام الجميع بحصولها، وربما يكون من الافضل لو تتم قبل موعدها المقرر في أيار المقبل.

مصلحة العماد عون، اليوم، تكمن في ترك خصومه يشكلون الحكومة، وليأخذ منها ما يجب أن يكون معه في هذه الفترة، أي وزارات الدفاع والداخلية والعدلية، وليترك للجميع التنارع على بقية الحكومة. وليعلن في أول جلسة لها أن المهمة الوحيدة أمامها هي العمل مع المجلس النيابي لإقرار قانون جديد للانتخابات، يعتمد النسبية وسيلة للاقتراع. وعند هذا الحد، على العماد عون العودة الى الشارع لجذب كل التيارات الشعبية الراغبة في تغيير حقيقي، وأن يكون الشارع وسيلته القوية في مواجهة نفوذ الطبقة السياسية داخل مؤسسات الدولة. وعندها يكون قد فتح باب التغيير… وكل ما عدا ذلك، معارك لن تفيد سوى في تشويه صورة العهد وانطلاقته.

قبل الانتخابات المقبلة، لا معنى لأي معركة مع القابضين على الدولة والناشرين للفساد فيها طولاً وعرضاً. المعركة الضرورية والإلزامية هي بعد الانتخابات. وعندها، يجب أن يكون العماد عون في مواجهة معركة تأليف الحكومة الاولى عملياً في عهده.

 ــ الحلفاء والتحالفات

منطقي القول إن صورة التحالفات التي رافقت الانتخابات الرئاسية لم تبق على ما كانت عليه بعد حصول الاستحقاق، بينما المنطق يقول إن الحلفاء الذين خاضوا المعركة الرئاسية منذ اليوم الاول، هم الذين يبقون في مقدمة المشهد. وفي هذا السياق، لا يمكن بناء علاقات أو وضع خطة تواصل سياسي على أساس التحالفات التي قامت على خلفية الاستحقاق الرئاسي.

إن «القوات اللبنانية» جاءت مضطرة الى مربع العماد عون. لم يكن لديها الخيار. ربما كان لدى قيادتها الشجاعة للإقرار بالأمر قبل الآخرين، وتحديداً قبل الرئيس سعد الحريري. لكن فعل «القوات» لا يخرج عن إطار حفظ المصلحة المباشرة، والحد من الخسائر، بمعزل عن كل أوهام الحالمين بوراثة هنا وتركة هناك. وخطوة «القوات» هذه، وكونها محصورة في المصلحة المباشرة، لم تأخذ أي طابع سياسي، ولم تلزم «القوات» بأي تغيير حقيقي في خطابها أو موقفها السياسي. وما فعلته، هو أنها تملك بعض الاصوات في المجلس النيابي، ولها حيثية معتبرة في الشارع المسيحي، وهي أدوات يحتاج إليها العماد عون في معركته الرئاسية. لكن لا يمكن أن يكون ثمنها شبيهاً بما يفترض أن يناله حلفاء خاضوا المعركة من اليوم الاول، وقدموا أكثر مما يعتقد كثيرون لأجل الوصول الى النتيجة. وهذا لا يعني أن على عون تقديم مقابل لفريق مثل «حزب الله»، لكن على العماد عون أن لا يخضع لابتزاز «القوات اللبنانية»، وهو يعرف أن ما تريده «القوات» من حقائب في هذه الحكومة، إنما تريد استخدامه مبكراً في المعركة الانتخابية.

لذلك، فإن مبدأ «دفع المقابل» يلزم العماد عون الأخذ في الاعتبار البيئة التي نشط حزب الله على تعزيز موقع العماد عون فيها. وهي بيئة على خلاف حقيقي وجوهري مع «القوات اللبنانية». ومثلما لم يترك «حزب الله» المجال لشريكه الشيعي، أي الرئيس نبيه بري، لممارسة أي ضغط بما خصّ المعركة الرئاسية، فمن المنطقي ألا يسمح العماد عون لمن يرغب في أن يكون شريكه المسيحي، أي «القوات»، بأي لعبة ابتزاز أو ضغط في الملف الحكومي.

إن حساباً بسيطاً يفرض أن تحصل كتلة التغيير والاصلاح ــ التي تضم أكثر من 20 نائباً ــ على ضعف حصة «القوات اللبنانية» التي تضم كتلتها 8 نواب. وكل محاولة للمبالغة، أو الوهم، بقيام ثنائية مسيحية شبيهة بالثنائية الشيعية، هي خطأ قاتل.

 ــ سليمان فرنجية

مع وصول العماد الى قصر بعبدا، انطلقت معركة التغيير. ولم تنطلق معركة الرئاسة المقبلة. وبالتالي، وجب قول كلمة واضحة وصريحة ومباشرة: لا يمكن لأحد، وخصوصاً الوزير النشيط والفعال جبران باسيل، أن يتصرف على أساس أنه بدأ معركة الرئاسة المقبلة. قول هذا الكلام ضروري الآن، لأن هناك مسألة عالقة يجب حسمها. ولن يقدر على فعل ذلك غير العماد ميشال عون. وهي تتعلق بالنائب سليمان فرنجية.

عندما رشّح الخبثاء سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، إنما فعلوا ذلك لضرب ترشيح العماد عون. وعندما قبل فرنجية الأمر، وقرر خوض المعركة، ارتكب الخطأ الكبير، لأنه لم يحسن ــ أو لم يكن الى جانبه من يحسن ــ قراءة الوقائع. وتراكمت كمية من الأحقاد على الحسابات المناطقية، على حسابات ومصالح متنوعة، ما أشعل حرباً ليس هناك ما يوجب استمرارها. في النهاية، رضخ فرنجية للواقع، وخسر الانتخابات الرئاسية. ومشكلته الحقيقية ربما كانت ليس مع العماد عون أساساً، بل ربما كانت مع حزب الله ومع الرئيس السوري بشار الاسد اللذين أبلغاه رفضهما الأخذ بمقترح الخبثاء. ومع ذلك، حافظ فرنجية على علاقته الوطيدة مع حزب الله ومع دمشق. لكن طبيعة السجالات، ربما أشعلت توتراً جعل العلاقة المباشرة بينه وبين العماد عون وقيادة وجمهور التيار الوطني الحر في حالة تحتاج الى إصلاح.

يروى أن رجلاً مريضاً أدخل الى المستشفى. وفي الليل كان يصدر أصوات أنين، فتأتيه الممرضة وتسأله إن كان يحتاج شيئاً، فكان يجيب سلباً، ثم يعاود الأنين بعد قليل، فتعود الممرضة إليه وتسأله ويجيبها كالسابق، واستمر الأمر على هذه الحال، الى أن استدعت الممرضة الطبيب المناوب لفهم ما يقوم به المريض. فجاء الطبيب وسأل المريض: هل تشعر بوجع حاد؟ هل تحتاج الى مساعدة ما؟ ردّ المريض: لا. فقال له الطبيب: لماذا تصرّ على إصدار الاصوات؟ فردّ الرجل: في البيت فهمنا أن النق ممنوع بحجة عدم إزعاج أحد، وفي العيادة كذلك، حتى نقلونا الى المستشفى. وأثناء العملية تعرّضنا لتخدير أسكتنا، ثم تقولون لنا بعد كل ذلك إنه لا يحق لنا حتى الأنين؟

يا جماعة، بمعزل عن كل القراءات. سليمان فرنجية مقتنع بأنه خسر الرئاسة التي كانت قريبة جداً من التحقق. هو يتصرف، وربما معه الحق، على أساس أنه جرى انتزاع اللقمة من فمه… وفوق كل ذلك، ممنوع عليه الصراخ وإطلاق بعض المواقف التي لن تغيّر شيئاً في واقع الحال؟
هذا في الشكل. لكن هناك ما هو أهم، ويتعلق بجوهر الموقف، إذ إن إصرار التيار الوطني، ومن خلفه الحريري، على منح «القوات اللبنانية» حصة منفوخة في الحكومة، فقط لأنها سارت بترشيح عون، وتعويضاً عن عدم دخولها الحكومة الماضية، هو أمر في غاية الغرابة. فكيف يحصل، وفي الوقت نفسه يرفض التيار الوطني الحر و»القوات اللبنانية» منح الوزير فرنجية موقعاً واضحاً في الحكومة؟ هل هناك من قرر معاقبة فرنجية لأنه خاض الانتخابات الرئاسية؟

لقد انتصر العماد عون وخياره في الانتخابات الرئاسية. ولم ينتصر سمير جعجع وخياره. ولقد انتصر خيار سليمان فرنجية وخسر هو شخصياً. وإن الحد الأدنى من المنطق والادارة الحكيمة، يوجب أن يبادر العماد عون شخصياً، وقبل التيار الوطني وقيادته، الى معالجة الامر. ألستَ أنت «بيّ الكل»؟ لنفترض أن سليمان فرنجية واحد من الأبناء المشاغبين. هل تتركه يذهب الى حيث لا ينبغي أن يكون؟ ثم ما الذي يمكن فهمه من معركة عزل فرنجية أو تهشيمه لا تهميشه فقط؟ هل هي رسالة سياسية؟ وإذا كانت كذلك، فهي موجهة لمن؟ هل لحزب الله ودمشق، أم لمن؟ وإذا لم تكن سياسية، وكانت ببعد حزبي، فإذا اعتقد جبران باسيل أن سمير جعجع سيكون حليفاً حقيقياً له في الشمال، فيكون كمن يكرر خطأ داني شمعون مع بشير الجميّل…

 ــ القصر ورجالاته

ليس بيننا من يقدر على رسم خارطة طريق للرئيس عون في إدارته القصر الجمهوري، وموقع الرئاسة الاولى. لكن الأكيد أن هناك قلقاً عميقاً من إمكانية أن يعتقد البعض، من أهل الجوار، بأن تحويل القصر الى قلعة مسيحية يتطلب أن يكون رجالات القصر الأقوياء من المسيحيين حصراً. وإذا سارت الامور على هذا النحو، نكون قد عدنا فعلاً الى عام 1988.

ميشال عون… نثق بك، ونحبك!

Related Articles

Lebanon

Lebanon, Aoun, What's Next?

After 45 attempts, Lebanon has finally elected a new president of the republic. However, the restoration of both, the constitutional and institutional processes, does not change the very fact that the country is still being run by the same longstanding elite cartel. 658 more words

Levant Politics

Crowds Flock to Baabda Palace to Congratulate Aoun on His Election as President

November 6, 2016

Thousands of supporters flocked to the Baabda Palace from various areas around Lebanon in the wee hours of Sunday morning to congratulate General Michel Aoun on his election as President. 350 more words

Zionist Entity

ما قاله السيد وما لم يَقُلْه

نوفمبر 5, 2016

ناصر قنديل
– في كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله استعادة للنقاش الرئاسي من باب إقفال الحساب، وببساطة من يقول إنه سار بخيار العماد ميشال عون الرئاسي حرصاً على البلد والاقتصاد، أو من يقول إنه فعل ذلك ليقينه أنه مرشح حزب الله الفعلي هو الفراغ، فليقل للبنانيين لماذا لم يفعل ذلك منذ سنتين ونصف السنة، ولم يرحم الاقتصاد ولا رحم اللبنانيين وترك الفراغ ينتصر، ولماذا جاءته بركات الحرص فجأة، وتفتقت عبقريته بعد طول جفاف عن تكتيكات الحشر والزرك والإحراج، ولماذا كان جفافها طيلة سنتين ونصف السنة وقد ثبت أنها تنتج رئيساً؟

Hezbollah